محمد طاهر الكردي

127

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

خرجت آمنة بنت وهب مع ابنها " محمد " صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة وعمره ست سنوات لزيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار ليعرفوه ويعرفهم ، ولتقف على قبر زوجها الحبيب عبد اللّه بن عبد المطلب الذي مات بالمدينة قبل أن يولد ابنه " محمد " صلى اللّه عليه وسلم ، وأخذت آمنة معها أيضا أمتها أم أيمن بركة الحبشية حاضنة النبي صلى اللّه عليه وسلم لتخدمهما في السفر ، قالوا : وكان معها عبد المطلب أو أبو طالب ، ونحن نرجح أن الذي خرج معها أبو طالب ؛ لأن عبد المطلب كان قد حجب بصره وكبرت سنه حتى تجاوزت المائة ، ومات ومحمد صلى اللّه عليه وسلم عمره ثمان سنين - واللّه تعالى أعلم - فوصلت آمنة إلى المدينة فنزلت في دار النابغة وهو رجل من بني عدي ابن النجار ، وكان قبر زوجها عبد اللّه أبي النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الدار كما تقدم بيانه في أول هذا المبحث ، فأقامت آمنة بالمدينة عند أخوال زوجها بني عدي بن النجار شهرا واحدا ، مع ابنها " محمد " صلى اللّه عليه وسلم الذي بلغ ست سنين يعقل ويفهم جميع الأمور لا يضيع عنه ما يراه ويسمع ، فهو طفل لا كالأطفال ، إن جسمه ظاهره وباطنه نوراني طاهر نظيف ، أليست الملائكة شقت صدره وهو في الثالثة من عمره ، فغسلت قلبه في طست من ذهب ثم ملأته إيمانا ويقينا وعلما وحكمة استعدادا لنبوته وبعثته عند بلوغه أشده ، إنه رسول اللّه وكفى - فلذلك كان صلى اللّه عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة يذكر أمورا عندما كان مع أمه بالمدينة ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم نظر إلى تلك الدار بعد الهجرة ، أي بعد خمسين سنة تقريبا من سفره مع أمه ، فقال : ههنا نزلت بي أمي ، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار ، وكان قوم من اليهود يختلفون علي ينظرون ، قالت أم أيمن : فسمعت أحدهم يقول : هو نبي هذه الأمة ، وهذه دار هجرته ، فوعيت ذلك كله من كلامهم - فانظر ، رحمنا اللّه تعالى وإياك إلى قوة ذاكرته صلى اللّه عليه وسلم ولا عجب في ذلك أنها ذاكرة نبوة ، وانظر أيضا إلى حكمة نزول آمنة بنت وهب مع ابنها " محمد " صلى اللّه عليه وسلم عند أخوال أبيه بني عدي بن النجار بالمدينة ، وذلك ليعرفوه ويعرفهم من صغره ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم لما بعثه اللّه تعالى ثم هاجر إلى المدينة وأقام بقباء أياما قليلة وبني مسجد قباء ، أراد التحول من قباء إلى باطن المدينة ، فركب ناقته وسار حتى وصل إلى دور الأنصار ، فكان صلى اللّه عليه وسلم كلما مر على دار من دورهم تضرع إليه أهلها أن ينزل عندهم ، وكانوا يأخذون بزمام ناقته صلى اللّه عليه وسلم ، فكان يقول لهم : دعوها فإنها مأمورة ، فلم تزل الناقة سائرة به صلى اللّه عليه وسلم حتى أتت بفناء بني عدي بن النجار ، فبركت بمحلة من محلاتهم أمام دار أبي أيوب الأنصاري واسمه خالد بن زيد ، فنزل عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : ههنا